الصالحي الشامي

72

سبل الهدى والرشاد

شريعته من كان بعدها ، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى - صلى الله عليه وسلم - فلا يلزم شريعته من جاء بعدها لعدم أمرهم باتباعها ، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي من الأنبياء - صلوات الله سلامه عليهم - دعوة عامة لكافة الناس إلا لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وأما من قال : إنه - صلى الله عليه وسلم - كان على شريعة إبراهيم وليس له شرع متعبد به وأن المقصود من بعثته - صلى الله عليه وسلم - إحياء شرع إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وعول في إثبات مذهبه على قوله تبارك وتعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) [ النحل 123 ] فهذا قول ساقط مردود ، ولا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع . وإنما المراد بهذه الآية : الاتباع في التوحيد . لأنه لما وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال : اتبع كان المراد ذلك . ولا حجة أيضا للقائل باتباعه شرع نوح - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ) [ الشورى 16 ] فحمل هاتين الآيتين ، على اتباعهم في التوحيد ، لأنه لما وصف إبراهيم في الآية الأولى - بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال : أن اتبع ، كان المراد بذلك ، بشهادة تفسير المشرع في الآية الثانية الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من الرسل ، بقوله تعالى : ( أن أقيموا الدين ) أي : دين الإسلام ، الذي هو توحيد الله تعالى ، وطاعته ، والإيمان به وبرسله وكتبه وبيوم الجزاء ، وسائر ما يكون به المكلف مكلفا إلا المشروع الذي هو مصالح الأمم لاختلاف أحوالهم وتفاوتها المؤذن به قوله تعالى : ( لكل أمة جعلنا شرعة ومنهاجا ) . وقوله تعالى : ( أولئك ) أي الذين ذكروا من الرسل وغير هم ( هدى الله فبهداهم ) أي بطريقتهم لا بطريقة غيرهم بشهادة الإضافة في الإيمان بالله وتوحيده ، وأصول الدين ( اقتده ) دون الشرائع لاختلافها ، وهي هدى ما لم تنسخ ، فإذا نسخت لم تبق هدى . بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدا ، وقد سمى الله تعالى في آية الأنعام في الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - من لم يبعث ولم تكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب - صلى الله عليه وسلم - وعلى آبائه على قولة من يقول : إنه ليس برسول . فدل الأمر باقتدائه بهداهم ، أن المراد به أصول الشرائع لا الشرائع نفسها . وسمى جماعة من الأنبياء فيها شرائعهم مختلفة ، لا يمكن الجمع بينها فدل اختلافها أن المراد بهداهم ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى . قال القاضي : وهل يلزم من قال : بمنع اتباعه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يوحى إليه بشرع قبله هذا القول في سائر الأنبياء ، فلا يكون أحد منهم قبل أن يوحى إليه بشرع قبله غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - أو